sameh1

 

 

 

النقيب سامح فرج . خريج هندسة عين شمس 1970 . ومن الدفعة 28 ضباط  احتياط . و فترة خدمته العسكرية من 70 حتي نهاية 75 .وانهي الخدمة برتبة نقيب .

بطل موقعه تضليل ضابط الامم المتحده دون تلقيين
قصة البطل :
 
sameh farag
*( فقرة من كتاب نوتة الرادرجي ) .
( هذه الواقعة ارويها كما حدثت .. ولم أتدخل فيها بالزيادة أو الحذف .. لأني أريد أن القيها من على كاهلي .. بعد أن ظلت على عاتقي .. زمنا طويلا .... ولكنها جزء من تاريخ قوات الدفاع الجوي المصري .. ولا أتذكر تاريخ هذا اليوم .. ولكن اذكره بالتقريب ). 
( واعتذر عن طول هذه الفقرة .) .
( الزمان .. الأسبوع الأول من نوفمبر 73.. والمكان يبدأ في الإسكندرية .. وينتهي في بورفؤاد ) .. 
( والصورة .. موقع محطة الرادار .. الذي كنت أقوده أثناء حرب أكتوبر 73 .. في بور فؤاد .. الدائرة العليا الحمراء .. والدائرة السفلى الحمراء .. مكان مقابلتي لضابط الأمم المتحدة ) . 
في الأسبوع الأخير من أكتوبر 73 .. تم إصلاح كتيبتي .. 652 .. وتزويدها بهوائيات جديدة .. وتسلمت محطة رادار جديدة .. وتم دفع الكتيبة إلى الإسكندرية.. وتلقينا أوامر بالدفاع عن ميناء الإسكندرية .. وكان في ذلك الوقت هو الميناء الوحيد الذي يعمل في مصر .. ليستقبل القمح الوارد من الخارج .. وقال لنا قائد التشكيل .. أن الحرب مع إسرائيل .. ربما تتخذ أبعاد أخرى .. وان مخزون القمح في مصر .. يكفي لمدة أسبوع .. وأن العمل يجري .. على رفع هذا المخزون إلى أحدى عشر يوما .. ولو قامت إسرائيل بإغراق أي سفينة في الميناء الغربية .. فإن إعادة الميناء إلى العمل .. قد تستغرق .. ثلاثة أسابيع .. ولذلك .. فإن الأوامر صريحة وقاطعة .. بتدمير أي هدف يظهر .. في مجال عمل الكتيبة .. فورا .. و بدون الرجوع لأي تعليمات من القيادة .. 
أمضينا عدة أيام نعمل في حالة تأهب بدون انقطاع .. وفي منتصف الليل في احد الأيام .. وكنت مجهدا ومصابا بنزلة برد شديدة .. وأتمنى أن احصل على قسط بسيط من النوم .. ولو لعدة ساعات .. طلب مني قائد الكتيبة .. الحضور فورا لدشمة القيادة .. فذهبت .. وجدته يقف أمام الدشمة .. وبجواره سيارة نقل ثقيل .. 
قال .. مطلوب تسافر حالا إلي بورفؤاد .. علشان تسجل المحطة بتاعتك هناك .. 
قلت له .. يعني إيه أسجلها يا أفندم .. ولماذا لا يسجلها احد الضباط من قيادة اللواء 98 .. أو من فرع الإنذار في الدفاع الجوي ..
قال .. القيادة .. طلبتك بالأسم .. 
قلت يا أفندم أنا تعبان .. و سيادتك عارف إني منتظر اعمل عملية .. علشان الجرح المتلوث اللي في ضهري .. ومين اللي حيمسك المحطة .. مكاني .؟.
قال .. رئيس العمليات .. سوف يحل مكانك .. حتى ترجع لنا بالسلامة .. أتفضل نفذ الأمر ياحضرة الضابط .. والعربية أهيه قدامك .. وحا تاخد تلقين في الموقع .. عن المطلوب منك ..
صعدت الى عربة النقل الثقيل .. وانا لا اعلم المطلوب مني بالضبط .. وأعاني من أنفلونزا شديدة .. ومن جرح .. في ظهري .. قد تلوث وامتلأ بالصديد .. وكنت أتناول مضاد حيوي .. وأنتظر لكي اعمل له عملية تنظيف .. وإعادة خياطة ..
وراحت السيارة تسرع .. في طريقها من الإسكندرية إلى بور فؤاد .. لقد قمت بهذه الرحلة من قبل .. ولكن بالعكس .. من بورفؤاد إلى الإسكندرية والعكس .. 
وانطلقت السيارة .. وأنا بين الإغماءة و الإفاقة .. حتى وصلنا إلى منفذ الجميل في بور سعيد .. في صباح اليوم الثاني .... وهناك وحدت سيارة جيب بها رائد في انتظاري .. وما أن تعرف على شخصيتي .. حتى قال .. أتأخرت ليه يا حضرة الظابط .. ولم ادري ماذا أقول له .. قال .. تعالى بعربيتك .. خليك ورايا .. وصلنا الى المعدية .. ثم إلى موقع كتيبتي القديم في لسان بورفؤاد .. نزلت فوجدت دشمة محطتي القديمة .. مركب عليها ماكيت رديء الصنع لهوائي الرادار .. وينقصه ( الفيد هورن ) وهو مائل على جانبه .. ومربوط بحبل .. ولا يمكن أن يخدع أحدا .. بأنه هوائي حقيقي ..!. 
ووجدت في انتظاري .. ضابط زميل يعرج ولم أكن اعرفه .. وكان مصابا في وجهه .. ويبدو عليه انه مصاب بهزة نفسية شديدة .. وما أن رآني .. حتى صاح في وجهي بلهجة أبناء بورسعيد .. آني ماليش دعوة .. أنت اللي حا تتكلم .. آني مسئول بس عن حراسة الموقع .. آني محطتي .. أنضربت جنب السويس .. آني هنا بمبوطي .. وأنت اللي حا تتكلم ..
وقفت في مدخل الطريق المؤدي إلى الموقع ( الدائرة الحمراء في الأسفل على الخريطة ) ..
و أخذت أحاول أن استوعب الموقف .. وما الذي يحدث هنا .. وفي هذه اللحظة .. دخلت الموقع سيارة جيب .. عليها صاري يرفرف عليه العلم الأزرق الخاص بقوات الأمم المتحدة .. ونزل منها ضابط في أواخر الثلاثينات .. لم أتأكد من رتبته .. وعريف سائق .. في أوائل العشرينات .. ( عرفت بعد ذلك أنهم من فنلندا ) . وكان العريف السائق يحمل معه دوسيه وبلانشيطه لها غلاف من الجلد .. 
كانوا يرتدون البيريهات الزرقاء .. و قمصان بنصف كم .. 
قام الرائد .. ضابط الاتصال المصري .. بتقديمي إلى ضابط الأمم المتحدة .. وتبادلنا التحية العسكرية ..
ومال علي هامسا .. لازم (( تقرطسه )) .!. ومش لازم يدخل الدشمة بتاعت محطتك .. بأي شكل .. 
صحت فيه بعصبية .. يعني أيه (( تقرطسه )) .!. يا سيادة الرائد .؟. 
تركني و أستقل سيارته ومضي .. ولم أراه ثانية ..
قال ضابط الموقع .. آني ماليش دعوه .. آني بمبوطي ..!. انت اللي حا تتكلم ..!.
في ذلك الوقت .. بعد قرار وقف إطلاق النار بين مصر و إسرائيل .. جرت محادثات بين مصر و إسرائيل .. وتحت إشراف الأمم المتحدة .. سميت ( مباحثات الكيلو 101 ) .. وكان جانب منها ينص على تثبيت أوضاع القوات المتحاربة في الدولتين .. وكانت دشمة محطتي السابقة خالية .. وقد فقدت قوات الدفاع الجوي .. عددا من  محطات الرادار .. واستشهد عدد من ضباط الرادار .. وكان هذا الموقع مثاليا للتغطية الرادارية .. لشمال الجبهة .. وكان يجري تجهيز محطة رادار تحت الإصلاح لدفعها إلى هذا الموقع .. لكن الوقت لم يساعد على ذلك .. ففكرت القيادة .. في وضع ماكيت للهوائي .. أعلا الدشمة الفارغة .. آملين أن يتم خداع قوات الأمم المتحدة .. ويتم اعتماد وجود محطة رادار في هذا الموقع ..
وكان من المفروض .. أن يتم تلقيني .. بكل هذا .. ولكن الضباط الكبار .. اعتمدوا على بعضهم .. ظنا منهم .. إني تلقيت التلقين اللازم لهذه المهمة .. ولكن هذا لم يحدث .. وتركوني وحيدا .. مع الزميل المصاب بهزة نفسية .. في مواجهة ضابط الأمم المتحدة .. وكنت قد بدأت استوعب الموقف ..
كان الضابط الفنلندي ..يتكلم بلغة انجليزية .. واضحة و راقية .. 
قال .. أنت ضابط محطة الرادار هذه .. وأشار إلى الدشمة ..
قلت .. نعم .. 
قال .. إننا في انتظارك منذ يومين ..
قلت .. كنت مكلفا ببعض المهام ..
قال .. هل يمكن أن أشاهد المحطة وهي تعمل ..
أخذت استجمع أفكاري و أنا أتكلم ببطء .. وأنا أفكر كيف امنعه من الدخول إلى هذه المنطقة ..
قلت .. هذه المنطقة من الأرض .. ما زال مدفونا بها .. بعض الشجعان الذين قتلوا خلال المعركة .. وهي تعتبر الآن كأنها .. جبانة للمسلمين .. واعتقد انك تري ..انه من غير اللائق .. للشرف العسكري .. أن تدوس على أجساد هؤلاء الشجعان المدفونين هنا .. أثناء دخولك للموقع .. 
ذهل الضابط الفنلندي .. وظهرت على وجهه علامات الغيظ الشديد .. بينما كان العريف السائق .. الذي يقف خلفه بخطوة .. يبتسم في خبث .!. وقد فهم أبعاد المسرحية .. التي أقوم بارتجالها..!. 
أخذ الضابط يطحن أضراسه في عصبية .. وهو يكاد ينفجر من الغيظ ..!.
ثم قال وهو يضغط على كلماته .. هل يمكنك أن تقسم لي .. بشرفك العسكري ..!. أن هناك ( وأشار إلى الدشمة ) .. محطة رادار تعمل .. 
قلت له ببطء .. استطيع أن أؤكد لك .. بشرفي العسكري .. أنه كانت هناك محطة رادار تعمل .. وهناك الآن محطة رادار تعمل .. وستظل هنا محطة رادار تعمل ..ّ!. 
وتقمصتني فجأة شخصية الفنان يوسف بك وهبي .. في أداؤه المسرحي المبالغ فيه .. فأكملت بنفس صوت يوسف وهبي .. وأخذت ارتجل جملا من وحي الأنفلونزا و المضاد الحيوي .. مثل .. أن أرواح الشجعان .. الذين سقطوا هنا .. تشاهدنا الآن .. هم الذين يعملون بالمحطة .. وستظل أرواحهم .. تحرس هذه المحطة .. واستمررت أقول كلاما كثيرا غير مفهوما .. حتى بالنسبة لي ..!!. حتى أني لا أتذكره .. وأتعمد خلط الأزمنة .. الماضي بالمضارع بالمستقبل .. بينما كان الضابط ينظر إلي في ذهول .. واعتقد أني تكلمت لمدة طويلة ..!.
وأعتقد أنه كان يقول في نفسه .. في المرة الأولى احضروا لي ضابط مهزوز نفسيا .. يرفض الكلام .. وهذه المرة يحضرون لي .. ضابط مجنون رسميا ..!. لا يتوقف عن الكلام ..!.
وقاطعني فجأة بإشارة من يده وقد نفذ صبره .. وقال في عصبية .. اوكي .. اوكي .. وهذا الذي قلته .. يعني أن هناك .. محطة رادار تعمل ..
قلت له بهدوء بالغ .. نعم يا سيدي .. 
التفت إلى العريف السائق .. وتناول منه الدوسيه الجلدي وفتحه .. وأخذ يملا بيانات استمارة ما .. ثم أغلقه وناوله للعريف السائق . وتنهد في ارتياح قائلا .. وهو يشير إلى الدشمة .. هناك محطة رادار تعمل .. 
ثم قام بتأدية التحية العسكرية بثبات شديد .. فرددت له التحية .. بأشد منها .. ثم حياني العريف السائق وهو لا يزال يبتسم .. وانطلق الاثنان بالسيارة الجيب .. وعلم الأمم المتحدة يرفرف عليها عاليا ..!. 
 
*المصدر المجموعه 37 مؤرخين 
 
و نظرا لفراسة الضابط و الاهمية القصوي للاجراء الذي اتخذه دون تلقين .... تم ادراجه في قائمة الشرف الوطني المصري ... باب القوات المسلحه ... بعد منحه القلاده من الطبقة الفضية في 5/7/2015